الحارث المحاسبي

7

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )

وإن هذه الأمة ستفرق على ثلاث وسبعين فرقة ، اثنتان وسبعون منها في النار ، وواحدة في الجنة ، وهي ما عليه الجماعة ، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله » . ولم يحدث في عصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم خطأ في تطبيق السنة ، أو جنوح نحو البدعة إلا في حالات نادرة كانت عن حسن نية أهمها : ما أراد عثمان بن مظعون أن ينتهجه هو وعدد من أصحابه إذ عزموا على أن يجبوا مذاكيرهم ، وينقطعوا للعبادة ، ولكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم تداركهم ، وبين لهم أنه ينام ويقوم ، ويصوم ويفطر ، ويتزوج النساء ، وختم بيانه بقوله : « فمن رغب عن سنتي فليس مني » ، ومنها ما حدث من عبد اللّه بن عمرو بن العاص من ترجيح جانب العبادة وتغليبها على شؤون الحياة ، حتى عدل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم سلوكه ، وكبح جموحه بعد نقاش بين المعلم الأعظم والتلميذ الصالح . أما بعد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فقد عاد الناس إلى الرغبة في الانقطاع للعبادة ، وابتدعوا طرائق ووسائل للأذكار الجماعية في المساجد عقب الصلوات وقد شهد الحالتين عبد اللّه بن مسعود ، وقام على الطائفة الأولى قائلا : « فمن للجهاد ، ومن للثغور ، وما أنا ببارح حتى تخرجوا » ، وقال للآخرين : « إن فعلتم فقد سبقتم سبقا بعيدا ، أو فقتم أصحاب محمد علما » . وقضى على بذور الفتنة قضاء مبرما . ولكن قوة الأهواء كانت تابعة لقوة أهواء الحكام في الخروج عن السمت النبوي في طريقة الحكم ، ومعاملة الشعوب ، حتى لقد جاروا على الأحكام الشرعية الثابتة ، فقد أخذ الحجاج الجزية من مسلمي خراسان بعد إسلامهم ، ولم يرفعها إلا عمر بن عبد العزيز ، وحدث انحراف تمثل في بيع الفضة بالفضة بيعا متفاضلا في عهد معاوية ، وأرسل عبد الملك بن مروان إلى غضيف الثمالي فقال له : يا أبا سليمان إنا قد جمعنا الناس على أمرين ؛ فقال : وما هما ؟ قال : رفع الأيدي على المنابر ، والقصص بعد الصبح والعصر ، فقال عضيف : أما واللّه إنها أمثل بدعتكم عندي ، ولست بمجيبكم إلى شيء منها . قال : لم ؟ قال : لأني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة » . فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة . وإذا تتبعنا جهاد المعمرين من الصحابة كان عمر ، وجابر ، وسعد بن أبي وقاص ، وأنس بن مالك ، وغيرهم ضد البدع في كتب التراق ، كالنفاق للفريابي ، والزهد لابن حنبل ، والزهد لأبي سعيد بن الأعرابي ، والزهد لابن المبارك وغيرها مما جاء في المراجع متناثرا ، لتبين لنا كيف انطمست حقائق المصطلحات الإسلامية من معانيها الحقيقية إلى معان سلبية وخطيرة على الإسلام ومسار دعوته .